انتفاضة جياع

بسم الله الرحمن الرحيم

فجر يوم جديد أطل علينا على خجل من بين ثنايا الأفق راسما على جبينه ملحمة شعب و دم, راميا لحافا من الدفئ على نفحات الشتاء القارس,

دفئ لن يكسر حزنا لف قلوب أمهات ثكالى و آباء مكلومين

حزن بعمر الدهر و بطول الأبد و بعمق الكون

 

أسماء تناسى ذكرها المحتفلون بذكرى الثورة الموؤودة, المتخمون بكعك رأس السنة وبعصيدة المولد الشريف, المضربون المتباكون على غلاء سعر الرغيف

كيف لهم أن يتذكروكم أو يذكروكم في عيد ميلاد الثورة, وهم وائدوها و قناصوها

يحتفلون بالعيد الثالث للثورة, و كأن الثورة ولدت كي نمجد ذكراها أو نعد نبض أيامها,

الثورة بعمر الإنسان, بعمر الظلم و رفض الطغيان

الإنسان ثائر بطبعه , و إن لم يثر انعدمت انسانيته و صار دمه كدم الأنعام بيد الحكام

 

زار مدينتنا زائر ذو ذكر و شأن, فتزينت الشوارع و تلونت بكل ما أوتيت من الألوان, و اصطف لأداء الولاء رجال المدينة و الأعيان, و تغنى بقدوم الضيف كل غانية و فنان, و صارت مساكن من بعد ظلمة و عتمة, لعرس و رحبة

أتاني أبي و قال لي, أي بني, إنه قد اشتعل الشعر شيبا, و وهنت العظام كبرا, و إن الغم و الأرق قد  أخذا مني كل مأخذ. و ما صار باستطاعتي الاحنمال. فاكتب لرفيع الشأن و استجده أن يأتينا خبر المسافر  الغائب, فإنه من أهل الكرم و الفضل و إن اسمه على كل  لسان, كاتبه لعله يرفع عنا الغم و يفرج عنا الهم,

امتطيت قلمي و دخلت جنان الكلمات صائلا جائلا مقتطفا من العبارات ما طاب غزلا و مدحا منمقا بها رسالة ذو الحضوة و الشأن شاكيا له حال شيخ كبير استرسلت دموعه حتى انقطع واردها أسفا و كمدا على فراق فلذة الكبد الذي  اختار جنة العلى و الجهاد في سبيل الله و الدفاع عن المقهورين في العراق, ذهب  و لم يعد  و لم يأتنا الخبر اليقين عن الشهادة أو السلامة, الخبر  الذي يثلج قلبا أسقمته كثرة  الظنون و يرفع كاهلا أثقلته وطأة الشجون,

كتبت ما أمرني به والدي الذي ما أن سلمته الورقة حتى طار بها إلى الديلو عله يجد إليه سبيلا على طابور المصطفين

مرت الأيام و ابتسامة الديلو ما تزال راسخة في ذهن أبي و حرارة كفه ما زالت تسري في كف أبي و كلمات الديلو الواعدة ما تزال ترن في أذن أبي

أبي الذي آمن بأن الثورة ستكفكف له دمعه بعدالتها و ستنصف فلذة كبده بمبادئها و ستكرمه لنظاله و تضحياته

مضت الأيام و لم يبق من الإبتسامة غير اصفرارها و من التحية غير مجاملتها و من الوعود غير بريقها و من الثورة غير ذكراها,

 

زوجتي العزيزة

علي أن أعترف لك بأمر

لمرات عديدة أتظاهر بإصلاح التلفاز لكنني ما كنت أفعل ذلك

بل على العكس, فقد كنت أنا من أعطبها متعمدا

أعلم أن الصمت يقتلك. و أنك تريدين التلفاز ونيسا لك و شغلا تشغلين به أطفالك حين القيام بالأشغال   المنزلية, لكنه كان سيقتلك في النهاية, كما قتل الملايين و شرد الملايين من قبلك

هم

الآخرون

مرت عليهم ثلاث سنون, استغفلوهم استبلهوهم ضحكوا على عقولهم دجنوهم , وطنوا فيهم الجهل و الخوف و التفاهة, حتى صاروا كغثاء السيل و كلهم كأف, تشيع فيهم الاشاعة إذا أشيعت , يهيجونهم متى شاءوا و يقعدونهم متى أرادوا

أما نحن, فنحن لم نبلغ الشهر بعد , نحن بعمر الزهور, نحن من تبقى من فيض الثورة, نحن من لم يقدروا على إعمال معاول الهدم فينا, نحن من لم تحزبنا برامجهم , و لا قتلت بذرة الحب فينا, نحن من نحب كل من حولنا لمجرد آدميتهم, نائين بأنفسنا عن الطوفان الايديولوجي الذي أرادوا غسل أدمغتنا به, نحن من عملنا و نعمل و نجتهد في العمل غير منتظرين لشكر أو مقابل

نحن هم هذا الوطن حقا, نحن أبناء الثورة, نحن من صنفونا بالارهاب, لأننا خارج القطيع

لأننا نؤمن بأن من أساء إلينا و لم يعتذر فسيغدر بنا مرة أخرى

لأننا نؤمن بأن فصيلة بني الكلاب لن ترتقي إلى الآدمية لمجرد تغيير طاقم السيارات أو إحداث نقابة لهم أو تغيير نوع السلاح الذي طالما أرهبونا به

صنفونا بالإرهاب لأن الثورة مستيقضة فينا مشتعلة بنا سائرة نحو النصر معنا

أرادوا أن يطمرونا بإعلامهم التافه, بإشاعاتهم المغرضة بمعاركهم الوهمية بأسعارهم الملتهبة, لكننا ما زلنا شامخين لم ترمش لنا عين, منتظرين يوم الوعد, يوم حرق كل من أطلق رصاصة و صلب كل تجمعي حقير متمعش و تحرير كل ثرواتنا من شركات الاحتلا و النهب, لن تعطيهم أحزابهم و تكتلاتهم شرعية للبقاء, فما بيننا هو أنهار دم و عشرات السنينمن الظلم

 

بكت السماء, بعد مهزلة الصباح, محاولة طمس آثار الخطيئة

أي احتفال و الثورة موؤودة

أي احتفال و البوليس حام لاحتفالاتكم

أي احتفال و البوليس أكبر مستفيد من جبنكم

أي احتفال و التجمعيون آمنون في بيوتهم

أي مصالحة وطنية و لم يسأل أحد من النظام البائد

أين حق الشهيد

أين العدالة الثورية

متى سنحرر نفطننا و فسفاطنا و ملحنا و أرضنا إن لم يكن ذلك بعد الثورة؟

كل عام و أنتم من غبن إلى غبن حتى تستيقظوا و توقضوا من حولكم, حتى توفوا بما وعدتم و تكتفوا بالخبز و الماء,

 

Leave Comment

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...