ثورة الديمقراطية

في زمن ليس بالبعيد كان الهدوء والسكينة يغمران أرض بلادي الخصبة المليئة بالخيرات. كل شبر فيها كان معطاءا، البحر و السماء, الأرض و النهر و حتى الصحراء. كنا نسقي التراب بعرقنا  و نعمر الأرض بسواعدنا، الكل كان يعمل بإتقان و تفان بلا كلل و لا خمول.

كنا سعداء، كان الوطن فرحة الشعب، و الشعب قرحة الوطن،

لكن عين الطاغية كانت بصيرة و يده كانت تطول  كل شيئ، دون أن تترك أخضرا أو يابسا. كانت عينه  لايغمض لها جفن وفمه لا يملئه شيء و نحن بالكاد كنا نبتلع رغيف الخبز بغصة، و لا نقوى  على الكلام.

 أرهقتنا السنون والأعوام  و تعودنا على الظلم والطغيان. لكنه كان هدوء ما قبل العاصفة ،هدوء النار في البركان لتنطلق شرارة الثورة من الجنوب إلى الشمال و يخرج الجميع يرددون شعارات الحرية، مطالبين بالديمقراطية و حق التمتع بخيرات الوطن. لم تكن تخيفهم الطلقات النارية و لا ترهبهم توعدات الطاغية، كان الدم بمثابة وقود الثورة كلما سالت الدماء  كلما زاد ثبات الشعب وإصراره على تحقيق مراده. غمر الهلع والفزع قلب الطاغية أمام إرادة شعب أراد التغيير. فلم يجد له من مخرج سوى الفرار هو و عصابته .

بن علي و ليلى

علت الزغاريد و رقصت الفرحة في عيون الكبار و الصغار، و تكللت ثورتنا بالنجاح و تحققت آمالنا في طرد الظلم والطغيان  متنفسا شعبنا الحرية، نازعا  عن كاهله  تعب سنين و أعوام.

و هنا وضعنا أرجلنا  في أول طريق الديمقراطية، و ما نزال لم نتعود أخذ القرارات الصائبة. سألنا الله أن يوفقنا و يحمي ثورتنا  لكن العطش للحرية و الجوع الذي أمرض البلاد و الظلم الذي أخرس الشعب و أرهقه طيلة ثلاثة وعشرين سنة، جعله بلا صبر ، فكان الكل يصرخ ويمد يده و يفتح فمه و كأن  مغارة علي بابا قد فتحت لهم. كان  الكل يتكلم و يعبر بكل حرية .فئة تطالب بزيادة في الأجور و فئة تتنافس على المناصب. كثرت الآراء و التدخلات و دخلت البلاد حالة  من الإحتقان و الفوضى، حتى نسينا الأهداف. ضاعت البلاد في متاهات الإغتيالات  و كان أول ضحية رجل في ربيع عمره، شهدنا صدق سريرته، كان يريد أن يأخذ البلاد إلى بر الأمان فتم اغتياله، إنه شكري بالعيد.


ثم تلاه الشهيد محمد البراهمي، و في خضم هذه التوترات لم يكن أفراد الشعب مراعين لمصلحة وطنهم، فلا العامل كان يعمل و لا الفلاح كان يفلح و لا الصانع كان يصنع و لا الراعي كان يرعى، إلى أن وصل بنا الحال إلى عجز في ميزانية الدولة و غلاء في المعيشة و عجز عن تسديد الأجور و أصبحت البلاد تعيش حالة خوف مما تخبئه لنا  الأيام.

لكن بعد كل ليلة مظلمة تأتي شمس النهار لتملأ حياتنا نورا و أملا و تفاءلا، فمن جد وجد و من زرع حصد

Leave Comment

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...