شجرة الإجاص

…شجرة الإجاص…

يحكى أنه كان لأحد الشيوخ الصالحين الضالعين في فقه السياسة والدين وعلوم الاقتصاد والورائيات، شجرة إجاص عظيمة في حديقة المنزل ورثها عن ابنه عن أبيه عن جده الأول بعد وصية توارثوها أبا عن جد تقتضي بأن يعتنوا بها جيلا بعد جيل وأن تكون ثمارها قربانا لآلهة ما وراء البحار، محرمة على البهائم والعبيد ، لتحل عليهم البركة، والسلام والديمقراطية.
كان شديد الحرص على العمل بوصية آبائه، حتى أنه عمل طوال حياته على إخفائها عن أعين وفضول الناس ببناء سور عال حول الحديقة، موهما الجميع بمن فيهم أبناءه بأن أرض الحديقة بور لا ينبت فيها غير خشاش الأرض وحشيشها.
قضى السنوات الطوال هانئا بالسلام متقربا لآلهة ما وراء البحار بما تغدق عليه شجرة الإجاص من ثمار، حتى أتى فيه يوم كبرت فيه الشجرة وعظمت وتدلت أغصانها على حائط السور، فخاف افتضاح أمره وذهاب ما أغدقت عليه الآلهة من خيرات ونعم، فدخل محرابه وصلى، ودعا ربه ساجدا باكيا، شاكيا ظلم الناس له وقلة ذي الحيلة ، وجحودهم ونكران فضل الآلهة عليهم.
بكى بكى، حتى اخضبت لحيته البيضاء بدموعه، وظهرت علامة السجود على جبينه.
فاستجابت الآلهة له وبعثت له ملكا أقرعا في محرابه ماسكا كلبا بيمينه ، وأوحى له ما أوحى، أوحى له أن يربط الكلب بجذع الشجرة، عله بنباحه والشرر المتطاير من عينيه يذهب الفتنة التي وقع فيها الناس، ويتركوا ما للآلهة للآلهة، ويكتفوا بأكل خشاش الأرض وحشيشها مع بقية البهائم والسباع ناعمين بالسلم والسلام وبنعمة البلاهة.
ربط الشيخ الكلب كما أمرته الآلهة، وذهب يتعبد شاكرا الآلهة والغبطة تملأ ضدره بعد استجابتها لدعائه، ليرسخ إيمانه بأنه كلما تذلل لها كلما زادت حضوته لديها.
أمضى اليوم كله في شكر الآلهة، حتى لما أقبل الليل ذهب ليتفقد الشجرة، فبهت من هول ما رأى، رأى كلب الرب مربوطا بجذع الشجرة، والدماء تجري بغزارة من رأسه.
– رحماك أيتها الآلهة، صاح الشيخ مذعورا
– من الذي يجرؤ على قتل دابة الرب، ستحل علينا غضب الآلهة وعذابها
سجد الشيخ مبتهلا راجيا مترجيا شاكيا، داعيا الآلهة بأن تغفر لعبيدها خطيئتها وأن ترسل مع ملاكها الأقرع كلبا أسودا أكبر وأشرس، فاستجابت له الآلهة وربط الشيخ الكلب لجذع شجرة الإجاص، وعاد لمحرابه متعبدا مبتهلا شاكرا الرب على الحشيش الذي أرسله لعبيده وبهائمه.
قضى الليل بأكمله في الدعاء والابتهال، مرددا أذكار ولد الكينزا (البوليسية كلاب) ومع بشائر الصبح الأولى ذهب ليتفقد الشجرة، ففجع من هول ما رأى، رأى دابة الرب تحتضر والدماء تجري من رأسها.
– أي ملعون ابن ملعون يتجرأ على قتل دابة الرب مرتين، وأي لعنة ستحل علينا جميعا.
سجد الشيخ مرة أخرى، مبتهلا مصرا في ابتهاله، متضرعا حازما في تضرعه، فما كان من الآلهة إلا أن أرسلت له الملاك الأقرع تصحبه لجنة لتقصي الحقائق مهمتها الكشف عن ملابسات قتل كلب الرب ومحاكمة صاحب الخطيئة.
اختبؤوا بين الأحراش بعد أن ربطوا كلبا آخر في جذع الشجرة، وانتظروا الساعات الطوال في انتظار ما ستؤول إليه الأمور.
لم تذهب جهودهم سدى، فلم تلبث أن انكشفت لهم الحقيقة، فكتبوا تقريرا مفصلا للرب، جاء في ملخصه بعد الشكر والمدائح والأذكار أن دابة الرب ماتت بعد أن سقطت عليها إجاصة ضخمة بحجم كرسي الرئاسة.
فما كان من الآلهة إلا أن أرسلت كلبا شرسا مرتديا على رأسه خوذة، وبيمينه شطاير.
وعاش العبيد وشيخهم في حب ووئام، ورجع الملاك الأقرع مع لجنة تقصي الحقائق، إلى بيت الرب وراء البحار فرحين مسرورين، تحفهم رضا الآلهة وبركتها.
هذه القصة مقتبسة من قصة واقعية من تراث مدينة أكودة.
ما يمشيش مخكم لبعيد…
بريشة الأستاذ علي بالحاج خليفة

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...