عذرا فلسطين

من #تونس.. رسالة اعتذارٍ لفلسطين

“إخوتي في الحملة..

أعتذر منكم رغم أنكم طلبتم مني ألا أعتذر، لأني أعلم أنني ما أوفيت #فلسطين و #القدس حقهما..

حين كنت صغيرا، ربما كان عمري حينها 9 أو 10 سنوات
كنت أتابع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأحفظ الأناشيد الحماسية التي كانت تبثها حينها قناتنا الوطنية، على شاشة تلفازنا الصغير بالأبيض و الأسود.
كان ذلك الجندي بكسوته و ترسانة سلاحه يحاول أن يظهر في صورة البطل و الجندي الذي لا يُقهر، لكن ألوان شاشتنا الباهتة، و عيناي البريئتان حينها، لم تر فيه غير هدف تلحقه حجارة أطفال فلسطين، و حذاء قدمي أو ما وجدت يداي أمام التلفاز.

كان دمي يكاد يفور و أنا أشتم اليهود بكل ما جادت به قريحة طفل العشر سنوات، و حين أعجز عن إيجاد الألفاظ المعبرة عما يختلج في صدري من كره وحب..
أردد ما علمه لنا معلمنا في الفصل من أناشيد تفتخر بعروبتنا و إسلامنا و أرضنا.

كنت حينها أرى نفسي أعلى من اليهود، وأعلى من كل العالم، بعروبتي و ديني وانتمائي إلى العرب و المسلمين. وأنني بانتمائي أستطيع أن أسحق ذلك الجندي تحت قدمي، هو ودبابته و كل عتاده،
كنت من الفخر و النخوة، حتى أنني و في عز نشوتي بعروبتي كنت أسأل أبي،
كيف غلبوكم؟
أين كُنتَ حين سقطت القدس؟
لما لم تذهبوا لسحق اليهود هناك؟
كان يربت على رأسي، و يجيبني ضاحكاً، حين تكبر سوف تعرف الإجابة وحدك.
فأرد عليه صائحاً، حين أكبر سأصبح جنديا، و أحمل السلاح لقتل كل اليهود و تحرير القدس وفلسطين!

لم تكن أمي ، و بدافع الأمومة، تحبذ ردي هذا. وكانت تنهاني عن أن أعيد مثل هذا الحديث، و تدعوني لأن أجتهد في الدراسة لكي أكون طبيبا أو قاضيا، أو حتى مهندسا.
كانت فلسطين هي شغل طفولتي، كبرت و كبرت فيَّ فلسطين..
درست و تخرجت، ثم التحقت بالجيش، لأكون ضابطا فيه، لأحقق كابوس أمي، و هو حمل البندقية.
كان الجرح حينها في العراق، والدماء تنزف من بغداد
كنت في العشرين و نيف من العمر حينها، و كانت كل الأبواب مفتوحة لأن أحقق حلم الطفولة و الشباب.

كان ذلك حلمي، أن ألثم تراب فلسطين، و أسجد على طهر أرضها..
لم يكن لي من حلم آخر، و لم أعش لشيء آخر.
لكنني و لأسباب يطول شرحها، لم أحقق حلمي..
لأجد نفسي جنديا في زي أستاذ، واكتفت أناملي بمداعبة القلم، عوض رشاشي الذي اتحضنته واحتضن أحلامي..

تزوجت و أنجبت، لأصير بعد دهرٍ أباً.. ولأربعيني أب، أورثت إبني وابنتي فخرهما بهويتهما.. أورثتهما الفخر، منتظراً ساعة الحساب.
حين يسألني إبني أو ابنتي نفس ما سألت أبي، لن أربت على رأسه؛ بل سأعتذر..
سأكتفي بالاعتذار، فلم يبقى لي غير ذلك، ولهما الحق في أن يقبلا الاعتذار أو يرفضاه…

.. حين اعتذرت لكم، اعتذرت لأني لم أعط فلسطين حقها، و لم أجد من تلامذتي من يفيض وجدانهم فلسطيناً و قدساً..
لم أجد منهم من زرع فلسطين في قلبه، قبل أن تكبر و تخرج من فمه..

لا ألومهم ، بل ألوم من كان سبباً في تلوين و تجميل و تهويل صورة ذلك الجندي العدو والحقير على شاشات التلفاز، حتى صار يملأ كل شاشة..
ألوم من كان سببا في أن تكون فلسطين ثاني و ثالث و رابع الأولويات، وليست الأولى..
ألوم نفسي، لأنني كبرت و فهمت ما تحدث عنه أبي، ورضيت بأن أكون رقماً آخر في تعداد هذا الوطن، تُجَمِّل بها الدولة إحصائياتها و صورتها أمام العالم.
صرت مجرد رقم يلهث وراء الخبز كما تلهث بقية أرقام الوطن، لينسى حق الجيل الحالم علينا من تربية و توعية..

ربما أطلت عليكم الحديث.. لكن كان علي توضيح الأمر..”

من رسالة وجهتها للحملة العالمية للعودة إلى فلسطين.

عذرا فلسطين

Leave Comment

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...