قراءة في الثورة التونسية كما أراها

اندلعت الثورة التونسية  على دولة المال فيه للعائلات والسياسة في يد البوليس وألهبت الثورة مشاعر المضظهدين في العالم فكانت كالزلزال الذي تتبعه زلازل ارتدادية.. وإذا سلمنا بمفهوم الثورة هدم في اللحظة الثورية وبناء في اللحظة السياسية فإن الثورة التونسية أنجع الثورات العربية ظاهريا فاللحظة الثورية لم تسقط في فخ التسليح والعسكرة وهدم أركان الدولة واللحظة السياسية اتسمت بنوع من الوفاق على خطوات البناء بدء بمجلس تأسيسي لدستور جديد وانتهاء بالوصول للمؤسسات الشرعية الدائمة والسؤال خلف هذه الصورة الجميلة هل الواقع بهذا الجمال؟؟ هل مرحلة الهدم نجحت في تقويض الفساد والاستبداد؟؟ وهل مرحلة البناء اتسمت بالهدوء والاستقرار وبالبرمجة الرصينة؟؟

من ضروريات الدراسة الموضوعية الربط بين الثورة وما قبل الثورة.. المرحلة الاستبدادية تمثل الاطروحة والثورة بمرحلتي الهدم والبناء تمثل طباقا.. فالحراك الجمعي في الثورة يهدف بطبيعة الحال إلى تغيير إيجابي لمواطن اشكال لزمت المجموعة.. وإجمالا فما قبل الثورة حكم عليه الشارع من خلال شعاراته على أنه واقع تنتفي معه الكرامة والتغيير الجذري هو العمل على تحقيق الكرامة فنظام المخلوع هو نظام الاذلال ويذل المرء بسلب حرياته والتسلط عليه وقهره أو بتجويعه وتفقيره والتحكم في مصادر رزقه أو بتجهيله والسخرية من عقله أو بذلك كله ونظام المخلوع اعتمد الاذلال بجميع وجوهه سبيلا للبقاء فاعتمدت المنظومة الاستبدادية على التقييد والتجويع والتجهيل وجعلت من المواطن التونسي: “يجري وراء الخبزة” وجعلت من المواطن التونسي: “يجري وراء القوت ويستنى في الموت” وجعلت المواطن التونسي: “عياش”… الخ فرواسب المنظومة الاستبدادية ذات أثر على الثقافة الجمعية حيث غلبت على الفرد روح السلبية وحضر الهاجس المعيشي فمن يعيش ليلحق بالخبز لا يهتم بقضايا السياسة وان فكر في السياسة إما ينتهج نهج التملق للحاكم لاختصار الطريق نحو الخبزة أو نحو المقاومة  والموت دون الخبزة… ثورة الكرامة تهدف إذا لتغيير أسباب التقييد والتجويع والتجهيل وإذا نظرنا مليا فنجد ان التقييد على الحريات حبر على ورق الدستور في واقع البوليس فيه دعم بنقابات تلعب دور سياسي أو بالأصح دور حزبي ولم يحاسب منهم أحد على جرم ارتكبه قبل الثورة أو في أحداث الثورة او ما تلاها من تحركات جوبهت بقمع أمني ودعم البوليس بهالة إعلامية وكانه يقوم بمزية على الشعب التونسي في مواجهة الارهاب وعليه فالتقييد على الحريات وإن لم يكن بالصورة السمجة التي كان عليها قبل أحداث ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 فإنه في الواقع موجود بصورة نعهدها عند دول الديمقراطيات الكاذبة.. ونجد أن التجويع على حاله ففي ظل مغالطات استمرارية الدولة بقي ذات الارتهان إلى ديون صرفت لجيب المخلوع واستمرارية الدولة في الابقاء على منوال تنموي ظالم وفي ظل بروز البرجوازية الطفيلية دون حسيب ولا رقيب وفي ظل تطبيع مع رؤوس الاعمال الفاسدين وفي ظل التفريط في مؤسسات الدولة وثروات الوطن والتعويل على قطاع السياحة الهش فبقي التونسي “يجري وراء الخبزة” ومع الوقت زاد فقره وزاد غلاء الخبزة علم أنه يجري ولا يبرح مكانه.. ونجد أن التجهيل كسرت شوكته وسائل الاتصال الحديثة التي ساهمت في نشر المعلومة وتحصيل المعرفة وتحقيق أكبر قدر ممكن من المثاقفة مع أن المنظومة التعليمية بقيت على حالها وبقي هدفها الاسمى تكوين الشخص الوظيفي او الشيء الوظيفي  وبقي الاعلام التونسي دون سقف الثورة بحافظه على وجوهه القديمة وتهويل أشياء وتحقير أخرى وفقا لغايات سياسوية تخدم قوى الردة

بهذا الرصد المجمل نجد أن أسباب بقاء نظام الاذلال استمر على حاله واحيانا استمر بصورة مختلفة وبنتيجة واحدة وهكذا تبقى الكرامة مجرد شعار غير متحقق فلا اللحظة الثورية هدمت وجوه الاذلال ولا اللحظة السياسية بنت وجوه الكرامة وجمال الظاهر يخفي قبحا يتجرع آلامه الشعب التونسي… للأمر تفصيلات عدة يفهم بعضه في سياق فقدان النظام القهري لعقله –بورقيبة- وبقاء عصاه –المخلوع بن علي- ويفهم بعضه في سياق نظام عالمي الامبريالية فيه في طورها الامبراطوري عقليتها التوسعية تفرض التعامل مع أنظمة قهرية المصلحة فيها للشخص لا للعامة ولجيل دون باقي الاجيال ودول فاقدة للسيادة لا يعيبها لعب دور الكعكة التي تتقاسمها المؤسسات الاحتكارية… لكننا الان لسنا في مقام التفصيل وما يعنينا أن المدى المراد بلوغه هو الكرامة كهدف ثوري والهدف الثوري يحتاج وسائل ثورية في طريق يعتريه صعوبات موروث الاذلال وعراقيل قوى الثورة المضادة والفشل إذا إما مضموني في غياب تصور كامل لعملية التغيير أعقبه فشل في اختيار الوسائل الثورية أو أن الصعوبات والعراقيل تمثل حاجزا لا يمكن تخطيه بحال من الأحوال ؟؟

برأيي أن الفشل يجمع غياب التصور وشدة الصعوبات والعراقيل ذاك أن التصور المضموني يحمل لواءه طلائع المجتمع القادر على التجرد من ضيق الإيديولوجيا إلى سعة الواقع فالنخبة تستثمر جملة معارفها في استقراء الواقع فتفكك إشكالاته وتشخص أمراضه وتقدم قراءة موضوعية الحلول فيها ذات بعد ابداعي فعملية المجاوزة تستوجب الفهم والادراك ولكن الثورة التونسية لم تسبقها ثورة ثقافية و”المصيبة” أنها لم تتبعها ثورة ثقافية ربما مثلت التركيب… فالنخبة المثقفة في تونس بعضها صارعت الديكتاتور فاكتسبت بعضا من صفاته وبعضها الآخر ضحية المنظومة التعليمية التي تخرج إنسانا وظيفيا وبعضها الآخر استولت عليه الايديولوجيا فعاد لا يرى إلا بعيونها وبعضها الآخر اختار التحزب ملجئا ومنجى من عذاب الحيرة والتفكير وبعضها الآخر يحضر ماديا في تونس وعقله في الغرب.. الخ الخ وبهذا تخلفت النخبة المثقفة عن الثورة وغاب معها التصور مما جعل أفق الثورة ضيقا وسقطنا في فخ محاولة تغيير وضع سياسي قائم بوسائل التغيير القائمة فيه فظل قانون بن علي ساري المفعول ونحن نتحدث عن ثورة وهي من المضحكات المبكيات ولأن إصلاح الذوات البشرية عملية صعبة معقدة فيعود الحل هو إيجاد نخبة مفكرة داخل الشباب الثوري في إطار جهد تشاركي في مؤسسات بحثية أو منتديات فكرية تسعى لتعويض ما فات.. أما الصعوبات والعراقيل في طريق الثورة فهي متعددة بعضها معنوي وبعضها الآخر مادي فالمعنوي منها في مستوى الذهنية والعقلية الغالبة والتي جردت من معطى التضحية والفداء واستبدلت بالفردانية والعدمية وغيرها فزيف الوعي ولفساد الوعي أثر سلبي على الممارسة كاستتباع طبيعي اما المادي فأساسا الوضع الاقتصادي المتردي الذي يضيق أفق التغيير والذي يسمح بالارتهان للدول الأجنبية وعدم وصول الفئة الثورية إلى مواقع القوة كضرورة  لإحداث التغييرات الحاسمة ولا أرى أعضاء الحزب الفاشي المنحل كعقبة كبيرة فهم مجرد ماكينة انتخابية للحزب الفاشي المنحل وفي احداث الثورة ظهر جبنهم وغياب العقيدة في ممارساتهم فالتزموا البيوت وتركوا المخلوع يواجه المد الثوري لوحده وعليه فئة جبانة لا تمثل عقبة والحل برأيي لهكذا صعوبات وعقبات انتهاج الدعوة إلى التخليق ونشر الوعي الوعي الثوري في مواجهة الوعي الزائف بآليات ووسائل جديدة تجد طريقها إلى عقل التونسي وتشكيل تنظيمات شبابية ثورية لا يقتصر دورها على الاحتحاح وهو مطلوب وإنما العمل الجاد على رسم معالم برامج عملية تكسب الثقة في مشروع التغيير من أجل العمل إلى الوصول إلى السلطة

الثورة التونسية حقيقتها بخلاف صورتها وكل ثورة بها اخطاء وتفقد الثورة قيمتها الاعتبارية إن لم تدرك أخطاءها وتصوبها ولا يعني شيئا الحصول على مرتبة افضل الفاشلين ومسؤولية الانجاح مسؤولية جماعية دافعها الرئيسي والاساسي اخلاقي فمن ضحوا على اول الطريق من العيب في حقهم ان نترك الطريق في منتصفه ولا نبلغ منتهاه

rev

Leave Comment

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...